عبد الله الأنصاري الهروي

67

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

وأمّا أن يعرف برّه في ستره ، فإنّ البرّ هو الإحسان ، فينظر العبد إلى كون سيّده ستره في المعصية ولم يفضحه بين خلقه ، فيشتغل بمشاهدة هذه النّعمة ، فيذهل عن ذكر الخطيئة ، فيكون مع المنعم سبحانه ، فيكون أشرف له من حضوره مع ذلّ المعصية ، فإنّ الحضور مع اللّه تعالى والغفلة عمّا سواه هو مطلوب القوم . وأمّا قوله : وحلمه في إمهال راكبه ، أي في إمهال راكب الذّنب ، فيعني أنّ العبد يشتغل بمشاهدة حلم اللّه تعالى عنه في كونه أمهله حتّى يتوب من ذنبه ، ولو شاء لأعجله بالعقوبة ، فيشتغل بمشاهدة الحليم سبحانه عن ذكر ذنبه ، فيكون مع اللّه تعالى ، لا مع الأغيار . وأمّا قوله : وكرمه في قبول العذر منه ، فإنّ العبد إذا اشتغل بشكر سيّده في كونه قبل منه العذر الذي لو شاء لما قبله ، فيكون بذلك مع سيّده لا مع سواه ، وهو المطلوب . وأمّا قوله : وفضله في مغفرته ، أي إنّ المغفرة فضل من اللّه من غير استحقاق ، والمغفرة هي الستر ، والمراد بها هنا هو ستر العقوبة بالعفو عنها ، والفضل هو الزّيادة ، وهو هنا الموهبة الحاصلة من اللّه تعالى بلا سبب من العبد ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . المعنى الثاني من معاني لطائف أسرار التّوبة ممّا يختصّ باللّطيفة الأولى وهو قوله : ليقيم على العبد حجّة عدله ، فيعاقبه على ذنبه بحجّته ، وهذا المعنى هو من معاني اللّطائف ، لأنّ العبد إذا كان مع مراد اللّه تعالى لا مع مراده لنفسه ، فقد آثر اللّه تعالى على نفسه ، ولم ينازعه في ملكه ، وهذا من لطائف معاملات القلوب التي اعترفت بظهور حجّة اللّه تعالى عليها ، فإذا هذان المعنيان شريفان ، وهما اللّطيفة الأولى من سرائر التّوبة .